السيد الخوئي

154

غاية المأمول

وهذا الجواب الأخير متين جدّا ، وأمّا الجواب الأوّل ففيه أوّلا : أنّ عموم العامّ ليس مفتقرا إلى إجراء مقدّمات الحكمة في المدخول ، بل أنّ العموم مستند إلى أمر وضعي وهو « كلّ » فإنّها بنفسها تبيّن أنّ مدخولها مراد على سعته وشموله ، فإنّ قوله : « أكرم كلّ رجل » مثلا بمثابة أن يقول : أريد إكرام كلّ رجل سواء كان عالما أم جاهلا فقيها أم نحويّا عدلا أم فاسقا ، إلى غير ذلك من العبارات ، وذلك كلّه مستفاد من لفظة « كلّ » بوضعها . وحينئذ فقد ظهر أنّ عموم العامّ بالوضع واستفادة المفهوم إنّما هي بمقدّمات الحكمة ليستفاد انحصار الشرط في المذكور ، ومن جملة مقدّمات الحكمة عدم البيان ، والعموم يصلح أن يكون بيانا ، فلا يحرز حينئذ عدم البيان مع وجود العموم كما هو المفروض . وثانيا : أنّه على تقدير كون العموم مستندا إلى أمر وضعي وأمر بمقدّمات الحكمة فالمفهوم أيضا كذلك ، فأيّ موجب يقتضي تقدّم أحدهما على الآخر مع تساويهما . وثالثا : أنّه وإن كان عموم التعليل لا يثبت عدلا للشرط بعنوان أنّه عدل إلّا أنّه بالملازمة يكشف عن وجود شرط ثان ، مثلا في قولنا : « إن كان هذا رمّانا فلا تأكله لأنّ كلّ حامض مضعف » يقتضي أنّه إن كان هذا رمّانا أو كان شيئا آخر حامضا غير الرمّان فلا تأكله ، فلا يدلّ على المفهوم لعدم الانحصار ، فافهم . الثالث ممّا أورد على آية النبأ : ما ذكره بعضهم ، وتقريره : هو أنّ التبيّن إمّا أن يراد به في منطوق الآية العلم ، وحينئذ فلا يكون الأمر مولويّا لأنّ اتّباع العلم حكم عقلي ، فلو أمر به الشارع لا يكون أمره إلّا أمرا إرشاديّا ، وإذا كان الأمر إرشاديّا فلا حكم في منطوق الآية حتّى يحكم بنفيه في مفهومها . وإن كان المراد من التبيّن الوثوق فهو يقتضي حجّية خبر الواحد الفاسق إذا أفاد الوثوق بأن عمل به المشهور مثلا ، وعدم حجّية خبر العادل إذا لم يفد الوثوق بأن أعرض عنه المشهور ، مع أنّ هذا القول إحداث قول ثالث لم يقل به أحد من العلماء لأدائه إلى المناقضة في الآية بين المنطوق والمفهوم ، ولأنّهم بين من يعتبر العدالة